إخوان الصفاء
447
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في البرهان على أنه ليس في العالم لا خلاء ولا ملاء اعلم يا أخي بأن الخلاء والملاء صفتان للمكان ، والمكان صفة من صفات الأجسام ، فإن كان خارج الفلك جسم آخر ، فقولنا : العالم ، نعني به ذلك الجسم مع الفلك جميعا ، فمن أين خارج العالم شيء آخر ؟ فصل في معنى قول الحكماء هل العالم قديم أو محدث فإن كان المراد بالقديم أنه قد أتى عليه زمان طويل ، فالقول صحيح ؛ وإن كان المراد به أنه لم يزل ثابت العين على ما هو عليه الآن ، فلا ؛ لأن العالم ليس بثابت العين على حالة واحدة طرفة عين ، فضلا عن أن يكون لم يزل على ما هو عليه الآن ، وذلك أن قول الحكماء في تسميتهم العالم إنما يعنون به عالم الأجسام ، وهو نوعان : فلكيّ وطبيعي . فأما الأجسام الطبيعية التي دون فلك القمر ، فهي نوعان : الأركان الكليات والموّلدات الجزئيات . فالمولّدات دائما في الكون والفساد ، وأما الأركان الكليات فهي دائما في التغيّر والاستحالة ، لا يخفى هذا على الناظرين في الأمور الطبيعية . وأما الأجسام الفلكية فهي دائما في الحركة والنّقلة والتبدّل في المحاذيات ، فأين ثباتها على حالة واحدة ؟ وأما أن يكون يراد بالثبات الصورة والشّكل الكريّ الذي هو عليه في دائم الأوقات ، فليعلم بأن الشكل الكريّ والحركة الدّوريّة ليسا للجسم من حيث هو جسم ، ولا مقوّمين لذاته ، بل هما صورتان متمّمتان بقصد قاصد كما بيّنّا في رسالة الهيولى والصورة . وكلّ صورة من الصّور بقصد قاصد ، لا تكون ثابتة العين ، أبدية الوجود ، وإنما يكون الشيء ثابت العين ، أبديّ الوجود بالصورة المقوّمة . واعلم يا أخي بأن الحافظ للعالم على هذه الصورة ، هو سرعة حركة الفلك